عودتي إلى دمشق كانت أشبه بالانتحار


أسماء (31 عاماً) من ريف إدلب الجنوبي اعتقلت من قبل النظام، رزقها الله ببنتين وولد واحد، حملت لتلد طفلها الرابع، كان صبياً عاش شهراً ثم فارق الحياة، لم يكن من الصعب عليها أن تتذكر ماضيها المرير.
بدأت حديثها معي “عشت مع أمي وأخوتي يتيمة الأب مذ كان عمري سنتين، وفي سن 15 من عمري تقدم شاب لخطبتي من البلدة المجاورة لبلدتي، عندها لم أكن قد أتممت تعليمي، وبعد سنة من زواجي قررت أن أكمل دراستي رغبةً مني ومن زوجي، فدرست البكلوريا، وبعد نجاحي سجلت في الجامعة، فرع الأدب العربي بدمشق”.
تأخذ أسماء نفساً عميقاً متحسرة وتضيف: “كانت تلك الأيام من أجمل أيام عمري”.
كان زوج أسماء من أشد المعارضين لنظام الأسد بسبب التمييز الطائفي الذي شاهده أثناء خدمته العسكرية، وعندما اندلعت الثورة شارك في العديد من المظاهرات السلمية التي خرجت في الغوطة الشرقية في بلدة يلدا، حيث كانت تعيش أسماء مع زوجها.
تقول أسماء: “وبعد مرور سنتين قرر النظام الدخول إلى بلدات الغوطة التي كانت تعج بالمظاهرات، وبقي زوجي والشباب الذين كانوا برفقته يتصدون لقوات النظام أكثر من عشرة أيام على مداخل البلدة محاولين منعهم من التقدم، ولكن الحظ كان حليف النظام”.
نظرت بابتسامة خفيفة لا تكاد تظهر على وجهها وتابعت: “استطاع زوجي ومن معه الفرار قبل محاصرة الجيش للبلدة، عندها بقيت أنا وأهل البلدة محاصرين، وبعد فترة قصيرة علمت بأنني حامل”.
في ذلك الوقت فرض الجوع نفسه على البلدة، أغلقت المحال التجارية بسبب انقطاع الطرق، وبدأ الوضع يسوء شيئاً فشيئاً، ما أدى لموت الكثير من الناس.
وبقي الحصار مخيماً لأشهر انتهت بهدنة سمحت للنساء والأطفال فقط بالخروج من يلدا.
وعند اقتراب موعد الولادة لم يكن أمام أسماء سوى العودة إلى إدلب.
شرحت أسماء مأساتها التي بدأت في الخامس من آذار 2015 حيث ولدت طفلها المريض بسبب قلة الغذاء الذي عانته أثناء الحصار، عاش شهراً واحداً ليفارق الحياة ولا يراه والده.
الشيء الوحيد الذي كان يصبرها هو سماع صوت زوجها من فترة إلى أخرى.
بعد أربعة شهور قررت أسماء العودة إلى يلدا، كان ذلك القرار أشبه بالانتحار، الجيش محكم سيطرته على كافة الطرق المؤدية إلى دمشق، وتقول: “قمت بتجهيز أمتعتي منذ الصباح الباكر، تزامناً مع ذلك تملكني خوف وكأن قلبي يخبرني بأن أمراً ما سيحدث أثناء سفري”.
مرت أسماء برفقة أطفالها على حواجز عديدة للنظام، وعند وقوفها على كل حاجز كانت ضربات قلبها تتسارع خوفاً من الاعتقال أو المساءلة، وعند كراجات العباسيين تم إنزالها من الحافلة بالاسم، تحدثت عن تلك اللحظات التي كانت أشبه بمفارقة الروح.
امتلأت عيناها بالدموع وقالت: “قمت بترديد بعض الكلمات وأنا أرتجف ما الذي تريدونه مني؟ فصرخ بي أحد العناصر كفاك أسئلة! وجهي ذلك السؤال لزوجك الإرهابي! انزلي ولا تتكلمي أبداً”.
“وجهوا لي بعض الأسئلة ومن بينها هل هناك من أحد تعرفيه في دمشق لتضعي أولادك عنده؟ نعم كانت إجابتي هناك شقيقة زوجي”.
صمتت أسماء لدقائق وكأنها تسترجع الأحداث في ذهنها وأكملت: “كان جل تفكيري في تلك اللحظة عند أطفالي، حيث سمح لي أحد العناصر بعد توسلي بإجراء مكالمة هاتفية مع أخت زوجي لتأمين أطفالي عندها. لا أنسى في ذلك الوقت نظرات طفلتي التي لم تكن تبلغ من العمر سنتين وهي تمسك بيدي بقوة وكلماتها ماما وين رايحة وتاركتينا”.
بقيت أسماء أكثر من أربعة شهور في المعتقل بحجة أن زوجها إرهابي، وكوسيلة ضغط عليه لتسليم نفسه، وشهدت كافة أنواع التعذيب ليتم الإفراج عنها بمقابل مبلغ كبير من المال بالإضافة لعملية تبادل بين النظام والجيش الحر.
كانت شاهدة كل يوم خلال فترة اعتقالها على جريمة تلو الأخرى من قتل وتعذيب واغتصاب.
شادية تعتاع

إقراء أيضا

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *