وتمضي الأيام مع المعاناة

” رهام بكور”
تبدأ قصته مع كل أذان فجر من كل يوم، يصحو باكراً ويتوضأ ويتجه للمسجد ليصلي، ثم ينطلق كذلك العصفور التائه تحت مظلة السماء، لا يعلم أين يذهب؟ ولا ماذا سيأكل؟ حتى وجد عملاً صعباً لكنه كان مضطراَ لتقبله. يريد المال، ويريد أن يبني حياته.
في كل فجر يذهب للبناء والعمل في تكسير الحجارة و”الباطون”، رغم جسده البسيط، غير أنه قرر أن يتحمل.
ومرت السنوات على هذه الحال، يذهب فجراً ويعود مساء ليجد رضى أمه، وأخيراً جمع مبلغاً من المال وقرر أن يترك عمله، فهو لم يعد قادراً على تحمل الألم، وقرر فتح دكان صغير، وبالفعل كان دكاناً رائعاً رغم بساطته، كان يُفرح أطفال الحي ويستبقون للشراء منه.
حفظ أوجه الأطفال وضحكاتهم وما يرغبون به. وفي يوم من الأيام جاء طفلان يبدو عليهما الابتهاج يريدان شراء الحلويات، أعطوه النقود التي حملوها وهم في قمة السعادة ومدا أناملهما لتناول الحلوى، وقبل أن يلتهماها فجأة انهارت عليهما الجدران، والنيران والدخان عمّا المنطقة، ولم يرى نفسه سوى ملقىً على الأرض والجدران فوقه وكل ما حوله دخان.
كل شيء حدث بسرعة، لا يعلم ماذا حدث.
مرت الأيام واستيقظ على محلول معلق وإبرةٍ بيده؟ ماذا يحدث؟ لماذا أنا هنا؟
أجاب الطبيب: حدث قصف في منطقتكم وأنت بترت قدمك من الأعلى للأسف.
والأطفال ماذا حدث لهم أيها الطبيب؟ كان معي طفلان؟
أجاب الطبيب: للأسف الصبية لم يتحملوا النار والقصف.
طفل قرر الذهاب الى الله ليشكو ما حدث، والآخر هو ذلك الذي ينظر إلى الشباك يستمع لصوت العصافير، فقد بصره ونطقه من ذلك القصف، فقط ينظر للشباك دون أن يرى شيئاً.
يا الله! ما ذنب تلك العينين أن تذهبا ولا تريا؟!
يا الله! لماذا لم يشارك صديقه الذهاب إلى محكمة السماء العادلة ليشكو الظالمين ولتتم المحاكمة؟!
يا الله وأنا سبقتني قدمي! ماذا سأفعل بقدم مبتورة؟ هل سأستطيع المشي؟
نعم تستطيع المشي على قدم واحدة وتتكئ على العكاز في الأخرى.
أيها الطبيب: هل تعلم أنني المعيل لأسرتي؟ صحيح ألم يأتِ أحد لزيارتي من أسرتي؟ لماذا لا أرى أمي؟
الطبيب: هل تقصد عائلة السيد أحمد؟
نعم أيها الطبيب.
أنت شاب رائع والذي أنجاك من ذلك القصف قادر على جعلك تعيش رغم البعد والفقد. لم تفقد فقط قدمك، إنما فقدت أسرتك أيضاً.
أيها الشاب عزائي لك، وعزائي لقدمك، وعزائي لعين ذلك الصغير، وعزائي لروح الصغير وأسرتك، وعزائي للجميع.
لا أعلم من التالي، لكني أعلم أن محاكمة عادلة ستجري في السماء، فسننتظر ولعلنا ننتصر.

إقراء أيضا

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *