رحلوا وتركوني لضجيج أفكاري

“شادية تعتاع”

4 نيسان 2017، هل يذكركم هذا التاريخ بشيء؟
في ذلك اليوم حدثت أفظع جريمة من قبل النظام الأسدي وحليفه العدو الروسي بحق المدنيين في بلدة خان شيخون بريف ادلب الجنوبي، حيث تم قصف المنطقة والحي الشمالي تحديداً بعدة غارات في ساعات الفجر، تلك الغارات لم تكن عادية بل كانت محملة بغاز السارين السام، الذي خلف وراءه الموت الأصفر، الموت الذي يقبض الروح دون دماء، مخلفاً أكثر من مئة شهيد أغلبهم من الأطفال والنساء، ونحو 500 حالة اختناق.
هناك أسر بأكملها صعدت إلى السماء دون أن يشعر بها أحد، وهناك أشخاص فقدوا جميع أفراد أسرهم وبقوا بمفردهم يواجهون قهر الفراق.
عبير الصالح (30 عاماً) أمٌ فقدت أطفالها الأربعة في تلك المذبحة.
عندما تم استهداف البلدة كانت عبير خارج المنزل نسبة لظروفها المادية المتدنية، حيث كانت مضطرة للعمل في الأراضي الزراعية لدى الغير (غرس، قطف، حصاد) لتعيل نفسها وأطفالها.
كانت تخرج صباحاً من المنزل وتترك طفلها الذي لم يبلغ أربع سنوات عند إخوته، لتعود عند الظهيرة، ومن ثم تضطر للعودة إلى العمل بعد العصر.
تحدثنا عبير عن ذلك اليوم قائلة: “عدت من العمل تقريباً في الساعة التاسعة والنصف، رأيت الدفاع المدني منتشراً يمنع أي شخص من الاقتراب من مكان التنفيذ، والناس يضعون الكمامات يتملكهم الخوف خاشعة أبصارهم من هول الواقعة. أشخاص على الأرض، هناك من فارق الحياة، وهناك من يصارع الموت. راودتني أسئلة كثيرة ماذا حدث؟! أيعقل أن المنطقة قصفت بالكيماوي؟! وأطفالي ماذا حل بهم؟”.
هرعت عبير للبحث عن أطفالها والسؤال عنهم، بحثت في كل مكان، في المشافي، عند الجيران والأقرباء، ولكن دون جدوى، اضطرت لنشر صورهم على مواقع التواصل الاجتماعي، وعند ساعات المساء جاءها الخبر الذي هزّ كيانها، وهو وفاة أطفالها الأربعة: هديل، بتول، ربا، محمد.
لم ترحم الدنيا عبير أبداً، زوجها الذي من المفترض أن يكون لها الأهل والوطن وكل شيء تركها وهي في الشهور الأولى من حملها بطفلها محمد، وتزوج من امرأة أخرى، هجرها هي وأطفالها دون أن يسأل عنهم، تركها تصارع الحياة برفقة ابنتها ربا المريضة بمرض الثلاسيميا منذ الشهرين من عمرها، والتي كانت تحتاج لعناية خاصة.
بعد الحادثة مباشرةً قررت عبير ترك بلدتها التي عاشت فيها طفولتها وذكرياتها لتعيش في المخيمات التركية برفقة أمها وأخيها.
كم هو مؤلم أن تكوني أماً لأربعة أطفال، وفي لحظة يصيرون مجرد صور وذكريات، يتراءى طيفهم وصوت ضحكاتهم وبكاؤهم أينما تذهبين.

إقراء أيضا

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *