تقرير سردي حول محاضرة:القانون الدولي الإنساني وحقوق المرأة في النزاعات المسلحةفي زمن تهيمن فيه الحروب على المشهد، وتُغيّب فيه العدالة أمام سطوة القوة، حضرتُ محاضرة عامة نظّمتها الكلية الجامعية للاعنف وحقوق الإنسان (AUNOHR)، قدّمتها الأستاذة نهلا حيدر، الخبيرة في القانون الدولي وعضو لجنة الأمم المتحدة للقضاء على التمييز ضد المرأة. كان عنوان اللقاء:«القانون الدولي الإنساني والتعديلات المطروحة في الأمم المتحدة، خصوصًا ما يتعلق بحقوق المرأة وحمايتها أثناء النزاعات»، وذلك يوم الجمعة 9 كانون الثاني/يناير 2026،حضوري لهذه المحاضرة لم يكن بدافع أكاديمي فقط، بل جاء من رغبة شخصية عميقة في فهم كيف تُدار مفاهيم العدالة والحق في عالم يتكرر فيه القهر، وتُفرغ فيه القوانين من معناها، لا سيما في وطني، حيث أصبحت الحرب واقعًا يوميًا، وأصبح الحق مطلبًا مؤجلًا.القانون الدولي الإنساني: نصوص قوية… لكن التطبيق غائببدأت الأستاذة حيدر محاضرتها بتوضيح أن القانون الدولي الإنساني يستند إلى اتفاقيات دولية، أهمها اتفاقيات جنيف وبروتوكولاتها. رغم تطور هذه النصوص، إلا أن الإشكالية الجوهرية ليست في النصوص ذاتها، بل في غياب الإرادة السياسية لتطبيقها.تحدثت عن التناقض في تعامل المجتمع الدولي مع النزاعات، إذ يُبدي تفاعلًا كبيرًا مع أزمات معينة، بينما يغض الطرف عن أخرى، رغم تشابه الفظائع فيها. هذا التحيّز يُفقد القانون مصداقيته، ويحوّله من أداة حماية إلى وسيلة تُستخدم لخدمة المصالح السياسية.الإفلات من العقاب… وعدالة تُشيطنتطرقت المحاضرة إلى مسألة الإفلات شبه الكامل من العقاب، مشيرة إلى أن كبار المسؤولين عن الجرائم الجسيمة نادرًا ما يُحاسبون
حتى المؤسسات الدولية، مثل المحكمة الجنائية الدولية، غالبًا ما تكون مشلولة أمام نفوذ السياسة والمصالح، مما يقلل من قدرتها على إنفاذ العدالة.في الشرق الأوسط، تتداخل العوامل الدولية والإقليمية لتفرز عنفًا مفرطًا يستهدف المستشفيات، والأسواق، والصحافة، وحتى المنظمات الإنسانية. في ظل هذا المشهد، لا يتم فقط خرق القانون، بل يُفقد القانون إنسانيته وأخلاقه.المرأة في النزاعات: ضحايا بلا صوتخصصت المحاضرة حيزًا مهمًا للنساء في الحروب، مؤكدة أن تأثير النزاعات عليهن أشد من غيرهن. فإلى جانب كونهن ضحايا للعنف والتهجير، هن أيضًا محرومات من أدوارهن كصانعات تغيير. في أماكن مثل سوريا والعراق وكوسوفو……..إلخ لعبت النساء أدوارًا محورية، لكن تلك الأدوار بقيت في الظل.كما شددت على أن القانون الدولي كما يُطبَّق حاليًا لا يوفر الحماية الكافية للنساء، ولا يضمن لهن أو لأطفالهن أبسط مقومات الحياة. الصمت الدولي حيال هذا الواقع لا يمكن اعتباره حيادًا، بل هو شكل آخر من العنف.العنف الصامت… حين يصبح الصمت تواطؤًاتحدثت المحاضِرة عن الجرائم الجنسية والجسدية التي تتعرض لها النساء أثناء الحروب، مشيرة إلى أن معظمها يبقى طيّ الكتمان بسبب الخوف والعار والمجتمع، إضافة إلى غياب النساء عن لجان التحقيق والمساءلة.واعتبرت أن إبقاء النساء في صورة “الضحية” فقط يكرس الظلم، بدل أن يسهم في إنهائه. فالقانون الدولي الإنساني لا يزال يعكس فكرًا ذكوريًا كُتب في سياق تاريخي لم يعترف بعد بحقوق متساوية للجميع
لماذا يفشل القانون؟أشارت الأستاذة حيدر إلى أسباب فشل تطبيق القانون الدولي الإنساني، ومنها:اختلال موازين القوى شلل مؤسسات الدول تغليب الأمن القومي على الكرامة الإنسانية -استغلال خطاب “مكافحة الإرهاب” -تجريم العمل الإنساني -غياب المحاسبة وبيّنت أن الالتزام بالقانون أصبح أكثر كلفة من خرقه، مما عزّز ثقافة الإفلات من العقاب.إعادة الاعتبار للإنسانرغم الصورة القاتمة، دعت المحاضِرة إلى إعادة الإنسان المدني إلى مركز الاهتمام، وتفعيل المساءلة، وبناء شراكات مع دول وهيئات تؤمن بحقوق الإنسان. وأكدت أن الإعلام والمجتمع المدني والدين لهم أدوار لا غنى عنها في الدفع نحو العدالة.واعترفت بصراحة بفشل القانون الدولي الإنساني في منطقتنا، لكن شددت على أن هذا الفشل لا يجب أن يقود إلى الاستسلام.بصفتي امرأة سورية وناشطة في قضايا النساء والعدالة، خرجت من هذه المحاضرة بأسئلة أكثر من الأجوبة، لكن أيضًا بقناعة أعمق:المشكلة ليست في غياب القوانين، بل في غياب الإرادة لتطبيقها.الصمت الدولي ليس حيادًا، بل تواطؤ مقنّع.ورغم كل الصعوبات، يبقى الإيمان بالحق خيارًا لا بديل عنه. حتى إن بدا الأمل ضعيفًا، فإن الاستمرار في التعبير والمقاومة هو السبيل الوحيد لإبقاء العدالة حيّة، لأن الحق لا يسقط بالتقادم، وإن طال الزمن
غالية الرحال

